عباس محمود العقاد فى عيون الدكتور زكى نجيب محمود

عباس محمود العقاد فى عيون الدكتور زكى نجيب محمود
    للدكتور حسن عبدالعال
    متابعة احمد عبد الحميد
    لقى زكى نجيب محمود العقاد اول ما لقيه فى أيام طلبه للعلم فى المرحلة الجامعية ، والعقاد  آنذاك قد دنا من عامه الأربعين ، وكان يملأ دنيا الثقافة بحضوره ، فلا تغضى عنه عين ولا تستطيع ، ولا تصم من دونه أذن وهيهات لها .

    يقول الدكتور زكى نجيب محمود بعد أن التقى بالعقاد واقترب منه وتعرف عليه :  يقولون " الأسلوب ينم عن صاحبه " ، إن هذا القول ليصدق على العقاد ، أكثر مما يصدق على كاتب آخر ، فقد كانت طريقته فى التفكير وفى الكتابة هى نفسها طريقته فى الحياة ، اللهم إلا جانبا واحدا رأيته يتمثل فيه إنسانا ولا يتمثل فيه كاتبا الا بقدر ضئيل ، وذلك هو جانب الفكاهة والمرح .

     ولقد فتن نجيب بشخصية العقاد وأسلوبه فى الكتابة وما أبهره فيه جده وصلابته وابائه وأعتداده بكرامته ، وصرامة منهجه ، وهو يشير إلى ذلك بقوله : أقرأ العقاد تجد فى كتابته الصلابة والمتانة والجد ، وهكذا كان العقاد انسانا : صلابة فى الخلق ، ومتانة فى بناء الشخصية ، وحدة فى تناول الأمور ، اقرأه تجد أنفا وشموخا وارتفاعا عن الصغائر ، وكذلك كان العقاد إنسانا : ترفع عن الرياء ، فما رأيته مرة  واحدة يتزلف الى صاحب منصب او جاه أو ثراء ، أنه لا يمالئ القراء ، أنه يكتب لهم ما يجب أن يكتبه لا  مايحبون هم أن يقرؤه،  إنه  رجل اذا لم يكن له ما يريد أبى أن يريد ما يكون .

    لقد ارتأى زكى نجيب محمود فى الأديب الكبير عباس العقاد  صورة  العقاد الكاتب والعقاد الإنسان ، فإذا أردت مقارنة بينه وبين غيره من معاصريه من الأدباء والمفكرين يقول الدكتور زكى نجيب : سوف ترى عبارته تجيئ مسبوكة اللفظ  ، لا يدع فراغا بين لفظة ولفظة ، وذلك لأن شخصيته نفسها فيها صلابة الجرانيت الذى كان له -فى صباه - مغدى ومرحا وهو فى بلده أسوان

      وعن تلك المقارنة بين العقاد وأعلام الفكر والأدب العربى فى زمانه يقول نجيب : حين انتقلت من عالم المنفلوطي بنظراته وعبراته ، وحافظ بليالى سطيحة وبؤسائه ، وجبران بأجنحته المنكسرة ، الى عالم العقاد بمطالعاته ومراجعاته وساعاته بين الكتب ، انتقلت من ميوعة العواطف الى صلابة العقل ، من القلب الهش الرقيق إلى الرأس الصلب العنيد ، فأحسست نضجا فكريا ينمو معى ويزداد فى خطوات سريعة

    ومع هذا الذى قاله نجيب عن العقاد.مطريا مادحا ،اختلف الدكتور زكى نجيب محمود مع العقاد اختلافات فكرية بعيدة المدى وتباعد رأيه  فى كثير من مواضع الرأى  عن رأى العقاد ، اذ كان الدكتور نجيب  قد أرسى مركبه فى خضم الفلسفة على شاطئ الوضعية المنطقية ،  التى ترفض من الوجهة العلمية العقلية كل عبارة ترد فى ألفاظها لفظة لا تشير إلى مسمى فى عالم الحس والتجربة ، على حين أن العقاد كان له رأى آخر، هو رأى الفلاسفة العقلانيين  الذين يقبلون المفاهيم الذهنية ، حتى ولو لم يقابلها فى عالم التجربة الحسية مسمى .
    ولما أصدر الدكتور نجيب كتابه " جنة العبيط " وفيه مجموعة من المقالات الأدبية ، وزعم فى مقدمة الكتاب أن هذا هو نموذج المقالة الأدبية دون سواه ، كتب العقاد فى مجلة الرسالة مقالة بعنوان " جنة الحصيف " يرد بها على رأى نجيب الذى لا تبرره شواهد التاريخ الأدبى ، لكنه أشاد بالطابع الأدبى الذى وجده فى كتاب نجيب ، واقترح أن يكون عنوان الكتاب " جنة الحصيف ،" بدلا من " جنة العبيط "

     رحم الله  الأستاذ العقاد ، ورحم الله الدكتور زكى نجيب محمود ، كانا عملاقين فى الفكر والأدب تفتقدها الان ساحة الثقافة العربية
    جريدة أنباء الوطن الان
    كاتب ومحرر اخبار اعمل في موقع جريدة أنباء الوطن .

    إرسال تعليق

    اعلان فوق المواضيع