القائمة الرئيسية

الصفحات

عاجل

التجريس ( التشهير) أفضل عقوبة للمجاهر بالفطرفى رمضان




متابعة : حنان عبدالله / البحر الأحمر

نتابع حكايات من زمن فات كما يسردها لنا مؤرخ القصير الأستاذ : وصفى تميرحسين

التجريس فى الأصل ظاهرة كانت قد انتشرت إبان العصر الفاطمى والمملوكى والعثمانى فى مصر وسميت بهذا الاسم نظرا لوجود شخص يحمل «جرس» بالقرب من الشخص المراد التشهير به والذى كان يلبسونه خرق ملونة ويضعوا على راسه طرطور.و ما أبشع أن يفقد الإنسان سمعته واسمه.. وشرفه.. وهذا هو ما يحدث في عملية التجريس! وكانت التجريس، عقوبة وقتية.. أي بمجرد وقوع الجريمة، ثم المحاكمة السريعة، أمام الناس.. ولذلك كانت التجريس هي العقوبة الأشهر في المدن الإسلامية.. لأن التاجر إن فقد سمعته.. فقد كل تجارته ومن هنا كان المحتسب يجمع بين يديه سلطات مراقبة الأسواق، وسلطة الضبط.. ثم سلطة القاضي.. حتي ينزل بالغشاش العقاب الفوري ولذلك شاعت التجريس كعقوبة وقتية ناجزة.. لردع أي مخالف.
فى العصر العثمانى جرى تجريس المفطر فى نهار رمضان خاصة إذا كان هذا المفطر شابا قويا لا مريضا صحيح الجسم وفق الدكتورة سميرة فهمي عمر أستاذة التاريخ الحديث بجامعة طنطا فى دراسة لها حيث تقول:« أنهم كانوا يحلقون نصف لحية المذنب ونصف شاربه، ثم يضعونه على ظهر حمار، ووجهه متجه إلى ذيل الحمار، ويقبض بيده على ذنب الحمار ويعممون هذا الشخص بأحشاء ذبيحة ويضعون على كتفيه جلدها، ويطوفون به في الشوارع والطرقات، بينما رجال أشداء يصفعونه ويضربونه بالنعال».
ووقفت أسباب اقتصادية أيضاً وراء تجريس المخالفين من الصناع والتجار. بحسب عمر، إذا أنقص الخبازون الخبز أو صنعوا خبزاً رديئاً وضبطه المحتسب كان يصادر الخبز الموجود بالحانوت ويعطيه للفقراء، ويعلق المذنب على باب حانوته أحياناً من أذن واحدة وأحياناً من الأذنين لمدة 12 ساعة. وإذا خالف الخباز تعليمات المحتسب مرة أخرى أنزلت عليه عقوبة الضرب بـ200 أو 300 جلدة على قدميه، وأحياناً على ظهره، مع وضع لوحة كبيرة عريضة مثقلة بالرصاص على كتفه، ثم يأمره المحتسب بالسير في معظم الشوارع الرئيسية في القاهرة إلى أن تُنهك قواه. الجزار أيضاً كان عرضة للتجريس. روت فهمي أنه "إذا نقص الوزن أو باع لحماً فاسداً وكان يفعل ذلك للمرة الأولى يعطي المحتسب اللحم الباقي للفقراء ويأمر بربط الجزار في مكان تسطع عليه الشمس كل يوم ثم يعلقون قطعة من اللحم الفاسد في أنفه ويتركونه في هذا الوضع حتى تنتج قطعة اللحم المعلقة الديدان وتسقط على جسمه، وبجانب هذه العقوبة يلزم بدفع غرامة مالية".

كان التشهير عقوبة اعتمدتها الدولة الفاطمية لضرب المعارضين والمخالفين لسلطتها في الداخل والخارج ممّن قاموا بأعمال تهدد أمنها وكيانها وتزعزع ثقة العامة بها. وسميت العقوبة أيضاً بالتجريس، لأن "مَن يشهر بهم يصحبهم شخص يحمل جرساً يدق لتنبيه الناس إليه وإلى المشهر به ليكون ذلك أبلغ في إهانة الأخير". هذا الشخص الذي يحمل الجرس كان يقوم بتهيئة الشخص المراد التشهير به بإلباسه لباس الشهرة، وتعليق الخرق الملونة عليه ووضع طرطور على رأسه.
تجريس المعارضين في مصر
بعد سيطرة الفاطميين على مصر، سنة 968 واتخاذهم القاهرة حاضرة لهم واجهوا العديد من المعارضين في الداخل والخارج خاصة من بقايا الإخشيديين والكافوريين الذين كانوا يحكمون مصر وشكلوا مجاميع مسلحة لمجابهة الوجود الفاطمي على جبهتي مصر والشام، فما كان من رجال الدولة الفاطمية إلا القيام بعمليات تجريس واسعة ضدهم. روى الباحثان أن القائد العسكري الفاطمي جوهر الصقلي أمر سنة 968 بقطع رؤوس جماعة من الأخشيدية والكافورية، وإرسالها إلى الخليفة المعز لدين الله مع خمسة آلاف من أسراهم مقيدين على محامل. وفي سنة 971 تم تجريس عبد العزيز الكلابي وأتباعه بسبب موالاته للعباسيين: أدخل في قفص وهو مغلول اليدين وطيف به وبمَن معه في القاهرة عقاباً لهم على الخروج على السلطة في الصعيد.
رجال السلطة
ولم يكن رجال السلطة الفاطمية أنفسهم بعيدين عن التجريس، إذ عوقب به أمير دمشق منير الخادم عام 992 بعد وصول أخبار تفيد بغدره ومسايرته للخليفة العباسي ببغداد: أُركب على جمل ومعه قرد يصفعه، وشُهر معه نحو مئة من أصحابه أركبوا على الجمال ووضعت على رؤوسهم الطراطير، وطيف بهم في دمشق ثم أرسلوا إلى بعلبك. وصحبهم منادٍ كان ينادي على الخادم وهو بوضع التجريس قائلاً: "هذا منير لعنه الله، أصبحت دياره خالية، وكلابه عاوية، ونساؤه صائحة، طاعنته الرماة، ونازلته الحماة، هذا جزاء من نافق الله عز وجل وعلى مولانا العزيز بالله". وعند وصوله إلى مصر، تم تجريسه على جمل بطرطور طويل فخرج الناس للنظر إليه، ومعه سبعمئة رأس من رؤوس أتباعه مرفوعة على رماح فطيف بهم، ثم عفا العزيز عنه.
للتشهير بشخص، كان يصحبه رجل يحمل جرساً لتنبيه الناس إليه وهو يمشي مهاناً... عقوبة التجريس
التجريس أو التشهير... العقوبة القاسية التي طبقها الفاطميون والمماليك والعثمانيون على معارضيهم
تجريس لأسباب مذهبية
وقفت وراء التجريس دوافع عقائدية أيضاً. شهد عهد العزيز بالله الفاطمي تجريس أحد المخالفين للمذهب الإسماعيلي في مصر بعد أن وُجد عنده كتاب الموطأ لمالك بن أنس. وتكرر العقاب مع شخص آخر ادعى أنه السفياني المنتظر (وهي أسطورة روّج لها خالد بن يزيد بن معاوية بعد أن انتزع مروان بن الحكم الخلافة من البيت السفياني وهو الشخص الذي، بموجب الأسطورة، سيعيد الخلافة للبيت السفياني). ألقى القبض عليه في الشام حسان بن مفرج بن الجراح، حليف الفاطميين هناك، وبعث به إلى مصر فجُرس على جمل، وأوكل إلى رجل صفعه أثناء التجريس. وفي عهد الخليفة الحاكم بأمر الله وتحديداً في عام 1003 أمر بالقبض على 13 رجلاً والتشهير بهم دون قتلهم لإقامتهم صلاة الضحى التي اعتبرها الفاطميون من مبتدعات معاوية بن أبي سفيان، أول حكام دولة بني أمية.
فقهاء مجرّسون
امتد التجريس لأسباب مذهبية إلى العهد الأيوبي. روى عبد الرؤوف جير القططي في دراسته "السجون في مصر وبلاد الشام في الدولتين الأيوبية والمملوكية" أن أحد الشعراء، وكان يُدعى ابن العود قدم إلى حلب "وكان شيعياً، وتردد إلى عز الدين مرتضى نقيب الأشراف فاسترسل معه يوماً ونال من أصحاب الرسول فعاقبه النقيب، وأمر بجره من بين يديه وأُركب على حمار مقلوباً وصُفع في الأسواق ونزل إلى مزبلة واغترف غائطاً ولطخ به ابن العود". ونال العصر المملوكي نصيباً لا يستهان به من تجريس الفقهاء لنفس الأسباب. ذكر خالد كبير علال في كتابه "التعصب المذهبي في التاريخ الإسلامي" أن الفقيه أحمد بن مري البعلي الحنبلي خطب يوماً في سنة 1324 بأحد مساجد القاهرة وهاجم الصوفية وانتصر لمنهج شيخه ابن تيمية، فرفع أمره إلى القاضي المالكي تقي الدين الأخنائي، فأمر بضربه حتى سال منه الدم. ثم شُهّر به على حمار أركب عليه بطريقة عكسية ونُودي عليه، فكادت العامة أن تقتله، ثم أُعيد إلى السجن. وبعد فترة شُفع له، فأُخرج وسُفّر من القاهرة إلى مدينة الخليل بفلسطين ومعه أهله. قبل ذلك، اعتُقل الفقيه ابن زهرة المغربي سنة 1312 بعد شهادة بعض القضاة عليه بأنه استهان بالمصحف واحتقر أهل العلم، فأحضر إلى دار العدل بدمشق وطيف به في وهو مكشوف الرأس ووجهه مقلوب وظهره مضروب، ومنادٍ ينادي: "هذا جزاء مَن يتكلم في العلم بغير معرفة"، ثم حبس.

عقوبة مصاحبة
قد يكون التجريس مصاحباً لعقوبة أخرى مثل التسمير (نوع من الصلب وبموجبه تُدق أطراف المحكوم عليه بالمسامير إلى الخشب، فيبقى المسمر ساعات أو أياماً حتى يموت). في سنة 1294 توفّى سبعة من الأمراء بعدما اتهموا بقتل بدر الدين بيدرا نائب السلطان الأشرف خليل بن قلاوون. "أخرجوا من السجن وقطعت أيديهم بساطور، وعلقت على صدورهم، ثم سمروا وطيف بهم القاهرة، وحدث أن زوجة أحد المسمرين لما رأته ألقت بنفسها من فوق بيتها عليه، فشفع به بعض الأمراء وفك عنهم التسمير"، روى القططي. ولما علم بذلك مماليك المقتول (أتباعه) ألحوا على السلطان ليعيدهم إلى التسمير حتى رضي، فأعادوهم إلى التمسير مرة أخرى وكان ذلك أشد من المرة الأولى، وبقوا على ذلك حتى ماتوا بعد يومين.

وأصل عقوبة التجريس مرتبط بوظيفة المحتسب.. الذي كان يعينه الخليفة أو الوالي، أو حتي محافظ المدينة. وكان هذا المحتسب يجمع بين سلطات وزير التموين، ووزير الداخلية.. ووزير العدل. وكان يعمل تحت رئاسته عدد من الجنود «العسس» يقومون بمراقبة الأسواق.. وضبط من يتلاعب بالموازين والمكاييل.. أو يزيد من الأسعار.. دون داع.. أو يغش في السلع التي يبيعها. وكان المحتسب يجلس وسط أكبر أسواق المدينة يتلقي تقارير رجاله من هؤلاء العسس.. ويقوم بالتحقيق مع هؤلاء المخالفين.. فإذا تأكد من التهمة.. يتم وضعه فوق حمار أو بغل، وليس حصاناً، إمعاناً في إهانته.. وبدلاً من أن يمسك باللجام- من رأس الحمار- يمسك بذيل الحمار.. وحوله رجال المحتسب.. ومن يتجمع من الصبية، وهم كلهم يدقون الطبول، أو ينفخون في البوق.. أو يخبطون الأجراس.. ومن هنا جاءت التسمية «التجريس» وكانوا يشرحون للناس علي الجانبين ما ارتكبه هذا الشخص، في حق المشترين.. وكانت هذه أسوأ خسارة تقع علي التاجر، أي يفقد أمانته وشرفه وسمعته.. وما التاجر إلا سمعة!
<< وقد عادت هذه الصورة إلي الذاكرة، بعد الذي حدث منذ أيام فى قرية الخواجات بمركز يوسف الصديق بمحافظة الفيوم عندما أجبرت إحدي العائلات رجلاً أشاع أمراً مشيناً بزوجته فقررت الأسرة معاقبته بالتجريس بأن أجبرته علي ارتداء «قميص نوم حريمي بحمالات» وانطلقت به في عملية تجريس علنية بشوارع القرية ليفقد الرجل بذلك شرفه وسمعته.. والغريب ان الذين قاموا بذلك يتعرضون الآن إلي المحاكمة! ربما لأنهم سلبوا لأنفسهم- بأنفسهم- سلطة الضبط والتحقيق والحكم.. ولكنني علي يقين من انهم فعلوا ذلك لأنهم يعلمون مدي طول اجراءات التحقيق والمحاكمة.. والتي يمكن أن تستمر أعواماً يكون الناس فيه قد نسوا الجريمة نفسها!
<< هنا- وبسبب هذا البطء في إقرار العدل- لجأ الناس إلي تنفيذ العقوبة بأيديهم. وليس أبشع من أن «يطاف» المتهم به في الأسواق ليتم تجريسه، وهي عقوبة وقتية وسريعة.. بل ومطلوبة.
والسبب: تأخر أو طول اجراءات التقاضي، وما أحوجنا الآن إلي هذا المحتسب.. وإلي العقوبة الفورية.. حتي وإن وصلنا إلي تنفيذ الأحكام بأيدينا.. في الأسواق العامة!
(لقد حمَّل الجنرال كليبر مصطفى البشتيلي المسؤوليةَ عن كل الجرائم التي ارتكبها الجيش الفرنسي لاخماد الثورة . الغريب أن المصريين اقتنعوا بهذا المنطق الشَّـاذ وقاموا بتجريس مصطفى البشتيلي...!) اهـ .
والتجريس عقوبة قديمة يتم فيها اجلاس الشخص المعاقب على الحمـار بالمقلوب ثم يطوف بالشوارع فيبصق الناس على وجهه ويصفعونه ويشتمونه.
قام المصريون بتجريس زعيمهم مصطفى البشتيلي وفي النهاية انهالواعليه ضربا بالنبابيت حتى قتلوه. ويقول محمد رشيد رضا معلِّقا على ذلك :
"الثائر لأجل مجتمع جاهل هو شخص أضرم النيران بجسده كي يضيء الطريق لشخص ضرير " !
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات